الشنقيطي

239

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مخالفة لجميع ذوات الخلق ، فله تعالى صفات مخالفة لجميع صفات الخلق . الأمر الثالث : في تحقيق المقام في الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من آيات الصفات ؛ كالاستواء واليد مثلا . اعلم أولا : أنه غلط في خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين ، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا : في الآيات القرآنية . هو مشابهة صفات الحوادث . وقالوا : يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا ، لأن اعتقاد ظاهره كفر ؛ لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر ، ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول ؛ أن اللّه وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر باللّه والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا . والنبي صلى اللّه عليه وسلم الذي قيل له وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] لم يبين حرفا واحدا من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء ، على أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين ، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين ، فزعموا أن اللّه أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه ، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة ، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) [ النور : 16 ] . ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على اللّه جل وعلا ، ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف اللّه به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فظاهره المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان . هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث . فبمجرد إضافة الصفة إليه ، جل وعلا ، يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق ، وبين شيء من صفات المخلوقين ، وهل ينكر عاقل ، أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته ، وجميع صفاته ، لا واللّه لا ينكر ذلك إلا مكابر . والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات ، لا يليق باللّه ؛ لأنه كفر وتشبيه ، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه ، بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق ، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات اللّه جل وعلا ، وعدم الإيمان بها ، مع أنه جل وعلا ، هو الذي وصف بها نفسه ، فكان هذا الجاهل مشبها أولا ، ومعطلا ثانيا . فارتكب ما لا يليق اللّه ابتداء وانتهاء ، ولو كان قلبه عارفا باللّه كما ينبغي ، معظما للّه كما ينبغي ، طاهرا من أقذار التشبيه ، لكان المتبادر